السبت، 24 أغسطس 2013

مذكرات طالب (طب نفسي) ..

 أسرعت أجر خلفي بقايا من نفسي التي  تركتها في
 
ذلك المبنى ذو الطوابق الثلاث
..
مبنى مميز بمرضاه بأطبائه بزواره
 
مختلف حتى خباياه وزواياه ..

الإنسان عندما تسيطر عليه نفسه .. حينما تقيده مخاوفه .. حينما يكبله 

قلقه .. حينما يغرقه اكتئابه .. حينما تسحقه وساوسه .. هنا كان لابد علينا 

أن نخترق عالم الأجساد 

إلى عالم النفس .. عالم التفكير .. عالم  الهلاوس

عالم كلما لعبت بك أمواجه ذات اليمين وذات

 الشمال قذفتك على شيء يشبه الشاطئ

فأنت تستعد لترسي عليه 

ولكن يصيبك الذهول عندما تدرك أن ذلك الذي

يشبه الشاطئ ما هو إلا  سراب
.. 
فتقذفك الأمواج مرة أخرى إلى حيث الأعماق

تغوض و تغوض فلا تترآى لك القيعان 

وكأن الفارق الوحيد بين النفس والبحر

هو اختفاء القاع فأنت تغوص و تغوص 

ولا تصل إلى قاع حقيقي بل تصل إلى ألف قاع!

كل منها سراب يخدع ناظريك كلما وصلت 

إلى قاع جذبك إلى الداخل وعندها تدرك أن الرحلة

تسير بلا نهاية ... 



 

لو أردنا أن نختصر الإنسان في علامة ترقيم لكان :
 !

خالد الغازي.









الطريق إلى مبنى الطب النفسي تكتنفه بعض التساؤلات!؟

قد يبدو مألوفا بعض الشيء ولكن عندما تقترب منه تبدو (غرابة ) المبنى 

(أوضح) عليه من قبل ..

فهل فطن المهندسون أن النفس الإنسانية تستحق كل تلك  التصاميم 

الغريبة !

المبنى في زاوية المستشفى .. مدخل المبنى يحتوي على أكثر من باب ..

وبهو من الداخل يختلف عن أي بهو في المستشفى ..

حتى المصعد تدخله من جهة فيصعد بك إلى الطوابق العليا لتخرج من 

الجهة الأخرى

أذكر أن قاعة المحاضرات – المميزة بحجمها الصغير – تختلف عن أي 

قاعة أخرى

لاحظت – وأتمنى أن لا أكون وحدي – أن جزءً من إنارة القاعة يضيء 

وينطفئ من تلقاء نفسه !!

وفي أحد الأيام أخذنا محاضرة لمادة أخرى في نفس القاعة وقام يبحث 

عن 

أقلام السبورة ليكتب عليها .. فلما لم يجد أي قلم والسبورة مكتوب عليها 

من قبل !

قال بلهجته المصرية الظريفة ( هذا يثبت أننا في مبنى السايكاتري ! )

x


الاكتئاب : أن يتوقف الزمن عن الحركة ،

لتيعش أنت في السجن الذي لا يراهُ الآخرون

حياةً مؤبدة .

 عمرو صبحي



هناك صنف من الناس يكره الرتابة ويمل من الروتين القاتل وتتشوف نفسه

إلى التجديد في المكان والأشخاص ..

هذا ما سيجده في داخل مبنى الطب النفسي

فالدخول إلى جناح المرضى ليس بالأمر السهل !

بعد أن تتجاوز مدخل المبنى المكون من بابين ثم تنظر في البهو تبحث عن 

الدرج


وتصيبك الدهشة أن السلالم المؤدية إلى الطوابق العليا مغلق عليها بباب 

ويبدو

منظرها من الخارج كأنها عيادة من العيادات المترامية هنا وهناك

تتجاوز السلالم لتفاجأ ببابين آخرين أمام جناح المرضى بتصميم مختلف 

أيضا

وبشروط خاصة ..

لا يعكر صفو الطلاب في الدخول إلا أصحاب الأوزان الثقيلة فلا يمكنهم

تجاوز الباب الأول لضيق مخرجه إلا بصعوبة بالغة ..بعدها تقرع جرسا ينبه

الممرض المناوب ليفتح لك الباب ثم يغلقه بعدك مباشرة !!

لا أدري هل كانوا يقصدون أن الطريق إلى النفس الإنسانية ليست سهلة !

وأن هناك حواجز تتلوها حواجز حتى ندرك جزءا من الصورة

الحقيقة لهذه النفس ..

تجاوزنا الأبواب ورأينا المرضى فهل الطريق التي سنسلكها إلى أعماقهم 

واضحة المعالم ؟ أم يكتنفها شيء من الغموض؟
x


 المستحيل.. هو ما لم يكتبه الله لك وليس ما عجزت عن فعله أنت !!

منقول.


( لقد كنت في القطار وبجانبي ملك الموت ومنعته أن يقبض روحي .. حتى 
وصلت إلى محطة الدمام بسلام ..)

بهذه الإجابة ألقى ذلك المريض حجرا في بحيرة التفكير الهادئة

كيف سأستمر في تاريخه المرضي إذا كان يعاني من  انفصال

تام عن الواقع insight  no


أدركت الآن المعنى الحقيقي للـ(تاريخ) المرضي الذي يعد

المفتاح الرئيسي لسبر أغوار حياة المريض

الطبيب عند مقابلته للمريض كأنه يقرأ الفصل الأخير من الرواية

وهو بحاجة إلى أن يرجع عدة خطوات حتى يبدأ السير من الفصل الأول 

للرواية وفي كثيرة من الأحيان عندما نعود للبحث

في فصول الرواية نفقد بعض الفصول ونضطر أحيانا إلى تجاوز

فراغات كثيرة في حياة المريض بأقل قدر من الخسائر

ذات يوم جلست مع زميلين عند مريض كبير في السن وكان

لزاما علينا أن نقدم حالته إلى الاستشاري المشرف علينا

جلسنا حوالي الساعة تقريبا نسأله عن تاريخه المرضي

و يا له من تاريخ طويل وممتلئ بالأحداث

كانت حالته المرضية قد بدأت قبل ولادتنا – منذ 30 سنة –

أخذنا ما تيسر لنا وتركنا ما تعسر علينا وعرضنا الحالة أخير على الطبيب 

المشرف .. انتهى تقديمنا للحالة وانتهى ذلك اليوم ومضت الأيام

لكن قصة المريض لم تنتهي بعد ..

لم نعد للمريض بعدها وكأن الجلوس الذي أمضيناه معه

مجرد مهمة بدأنا بها وانتهينا منها ..

هذه هي حياة طالب الطب يبدأ مع المريض وينتهي منه

ويبقى المريض بانتظار الطالب الذي يليه .. ويمضي

الطالب إلى مريض آخر ..

x

Sometimes we need to be hurt in order to grow, fail in order to know, lose 

in order to gain. Some lessons are learned best through pain



غالبا ما تكون الدقائق الأولى في العيادة محل ترقب بين الطبيب الذي 

يستعد للأسئلة وبين طلاب الطب الذين يمضون دقائقهم

الأولى في اختيار مكان مريح يجلسوا عليه وآخر يضعون كتبهم عليه 

ويضعون همومهم كذلك

عندما يدخل المريض ذلك يعني أن كرسيا من كراسي الإنتظار التي يجلس 

فيها طلاب الطب قد ذهب وأشد من ذلك أن يطيل

المريض مدة جلوسه مع الطبيب وأشد من كليهما أن يكون مع

المريض مرافق وحينئذ نظل واقفين طوال فترة الزيارة

جاء .. جاء .. يتخافت الطلاب فيما بينهم فالمريض وصل ولابد

أن نكون في أفضل حال ونصيخ أسماعنا إلى شكواه ونحاول أن نكون جزء 

من العلاج بدلا أن نكون عبئا على الطبيب المقيم الذي يأخذ التاريخ 

المرضي من الحالة فهو يحمل فوق هم المريض هموم دراسته العليا وكأن 

الطريق يبدأ بعد التخرج ..

هناك تجد الأطباء بين بذل لأقصى ما يستطيع وقبل ذلك وبعده

متشبثا بدعاء الله أن ينير له مسيرته القادمة سائلا له التوفيق والنجاح

دخل المريض .. بعد السلام استأذن منه الإستشاري :

-   هل هناك مانع من وجود الطلبة في العيادة؟

-    لا مانع

-    بشرنا ايش اللي صار معك ؟

-    آه يادكتور لازال الوضع على ما هو عليه ولازالت المشاكل بيني وبينها ..

النفس أكبر من أن تعكس نبضاتها وآلامها سماعة الطبيب

بل الذي ينقلها هو حسن استماعه لشكوى مريضه

أذن الطبيب هي سماعته الأولى فإذا فقدها فقد بعدها كل شيء

بعد أن خرج المريض التفت إلينا الاستشاري

-    هذا المريض من فئة vip  وفي الزيارة السابقة جلس يبكي

ولم أقاطعه بل تركت له الوقت ليبكي .. وكما ترونه الآن

فقد تحسنت حالته

تبادلنا النظرات فيما بيننا وكانت نظرات زميلي تقول

( ليس من مهمة الطبيب فقط أن يستمع إلى شكوى المريض .. بل حتى 

إلى بـكائه )
x

ليست السعادة في كثرة من حولك.. بل هي في نوعيتهم ، قد يُغني شخص واحد عن الكل !

علي المهيني


( أسألكم بالله إذا شفتوا أي أحد يستعمل هذا الدواء تنصحونه إنه يوقفه .. 

نصيحة لوجه الله )...

هذه الجملة كانت ملخص لحديث بيننا وبين مريض ابتلي بالإدمان ذلك 

المرض الذي يسجن فيه المريض نفسه

ويظل طوال حياته يدور في حلقة مفرغة ليس لها بداية ولكن

نهايتها مؤلمة .. مؤلمة جدا ...


كان وهو يصف حالته المرضية كالمقيد بهذا الدواء لايستطيع

تركه .. يحاول جاهدا أن يحصل عليه بأي ثمن كان !!

حاول السرقة .. ساءت حالته المادية .. تدهورت صحته ...

اشتكى منه أهله .. ولكن بفضل الله أعانه بعض إخوانه لمراجعة العيادات 

النفسية ..

تبقى زيارة الطبيب – بعد فضل الله – كالسكين التي تقطع تلك الحبال 

التي توثق حياته وتوثق عالمه الداخلي

ويبقى الطبيب مجرد سبب من الأسباب المعينة في ترك الإدمان

هناك أشياء تنتظرها وأشياء تنتظرك.. أجملها التي تنتظرك..
د.أحمد الصقر




تمت.
17 شوال 1434

على عتابات السنة الأخيرة في كلية الطب.

التسميات: